الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
48
مختصر الامثل
حقاً ، إنّ هذا الموجود ، اللائق لخلافة اللَّه على الأرض ، والمؤهل لهذا الشوط الكبير من التكامل وتربية أبناء عظام كالأنبياء وخاصة النبي الخاتم صلى الله عليه وآله يستحق كل احترام . نحن نشعر بالتعظيم والتكريم لمن حوى بعض العلوم وعلم شيئاً من القوانين والمعادلات العلمية ، فكيف حال الانسان الأوّل مع كل تلك العلوم والمعارف الزاخرة عن عالم الوجود ؟ بحثان 1 - لماذا أبى إبليس ؟ « الشيطان » اسم جنس شامل للشيطان الأوّل ولجميع الشياطين . أما « إبليس » فاسم علم للشيطان الذي وسوس لآدم . وإبليس - كما صرح القرآن - ما كان من جنس الملائكة وإن كان في صفوفهم ، بل كان من طائفة الجن ، وهي مخلوقات مادية . باعثه على الامتناع عن السجود كبر وغرور وتعصب خاص استولى عليه حيث اعتقد أنّه أفضل من آدم ، ولا ينبغي أن يصدر له أمر بالسجود لآدم . كفر إبليس كان يعود إلى نفس السبب أيضاً ، فقد اعتقد بعدم صواب الأمر الإلهي ، وبذلك لم يعص فحسب ، بل انحرف عقائدياً . وهكذا ذهبت أدراج الرياح كل عباداته وطاعاته نتيجة كبره وغروره . وهكذا تكون دوماً نتيجة الكبر والغرور . وعبارة « كَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ » تشير إلى أنّ إبليس كان قبل صدور الأمر الإلهى إليه بالسجود ، قد انفصل عن مسير الملائكة وطاعة اللَّه ، وأسرّ في نفسه الاستكبار والجحود . 2 - هل كان السّجود للَّهأم لآدم ؟ لا شك أنّ السجود يعني « العبادة » للَّه ، إذ لا معبود غير اللَّه ، وتوحيد العبادة يعني أن لا نعبد إلّااللَّه . من هنا فإنّ الملائكة لم يؤدوا لآدم يعني « سجدة عبادة » قطعاً ، بل كان السجود للَّهمن أجل خلق هذا الموجود العجيب . أو كان سجود الملائكة لآدم سجود « خضوع » لا عبادة . جاء في عيون الأخبار عن الإمام عليّ بن موسى الرّضا عليه السلام حديث طويل وفيه : « إنّ اللَّه تبارك وتعالى خلق آدم فأودعنا صلبه وأمر الملائكة بالسجود له تعظيماً لنا وإكراماً وكان سجودهم للَّهتعالى عبودية ، ولآدم إكراماً وطاعة لكوننا في صلبه » . بعد هذا المشهد ومشهد اختبار الملائكة ، امر آدم وزوجه أن يسكنا الجنة ، كما جاء في قوله تعالى : « وَقُلْنَا يَا ءَادَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا